الأخبار السياسية
تريند

سهير عبدالرحيم تكتب: ما عندنا مشكلة

 

 

قبل حوالي شهر تقريباً سافرت إلى محلية الكاملين بولاية الجزيرة ، قاصدةً قريةً اسمها (التكلة أبشر) ، الرحلة كانت بغرض تصوير فيلم وثائقي عن حادثة إنقلاب مركب التلاميذ بمنطقة المناصير بالشمالية والتي راح ضحيتها عدد ٢٣ تلميذاً.

عم عمر والد الخمس طفلات اللائي غرقن دفعة واحدة في منطقة البحيرة بالمناصير ، هاجر من أحزانه بالمناصير وحط رحاله بهذه القرية الوادعة، عله يغسل أحزانه و يكفكف دمعه بعيداً عن ذكريات إنقلاب المركب بصغيراته.

سافرت إلى القرية و كنت بمعية مخرج الروائع و حاصد الجوائز الأقليمية والدولية في مجال الأفلام الوثائقية المخرج سيف الدين حسن والمصور المحترف صاحب العدسة الساحرة و المختلفة الإستثنائي أشرف إبراهيم مدير التصوير بقناة الجزيرة القطرية و الصبي عبدالله ابن المخرج سيف حسن.

كان بصحبتنا أيضاً دليلنا في الرحلة الأستاذ عبدالرحيم علي البصيري، والد الشهيدة فائزة الحاصلة على درجة الماجستير في الفيزياء الطبية والتي كانت بمعية التلاميذ وغرقت في النهر أيضاً، انضم إلينا لاحقاً الباحث والصحفي المميز و المثابر صديق دلاي.

توجهنا جميعنا صوب ولاية الجزيرة ونحن نقتفي أثر عم عمر، وصلنا القرية منتصف النهار وكان في استقبالنا عم عمر وزوجته ووالدتها وابنتيهم وعدد كبير من الجيران.

وعلى الرغم من وصولنا متأخرين إلا أننا وجدناهم ينتظرونا بوجبة الإفطار التي بدا واضحاً أنهم قد نحروا ذبيحة لمقدمنا و هي عادةً متأصلة ومتجذرة في كل ولاية الجزيرة، إنهم قومٌ إكرام الضيف لديهم فرض عين.
الأمر كان أكبر من الإحتفاء بفريق عمل فني، كان تظاهرة من الأطفال قبل الكبار ومن النساء قبل الرجال، يكفي أن تطلب شيئاً لتجد الكثير من الأقدام المسرعة لتلبيته والأيادي الممتدة والابتسامات المشرعة بالبشاشة والترحاب وكثيرٌ من الدفء رغم برودة الطقس.

جيران عم عمر الأستاذ أشرف عثمان صالح، و زوجته سماح العشاري وابنائهم أمنية وعثمان و سامي وسارة وساجدة ومحمود …جميعهم كانوا عبارة عن تيم واحد يقف على أمشاط أصابعه لخدمتنا فتجد الطعام و المثلجات والحلويات والشاي والقهوة تتسابق إلى منضدتك دون أن تترك القهوة سبيلاً للحلويات أن ترتاح في معدتك، كل يداهم الآخر ، ثم يعزمونك على عشرة ونسة ويتركون حساب الضحكة عليهم أو كما قال أحدهم.

مكثنا هنالك يوم ونصف اليوم، أنجزنا خلالها تصوير القضية على شفاه أصحاب الوجعة ، صّورنا في البيت وجلسة شاي المغربية وأزقة القرية والزريبة وعلى شاطيء النيل.

استوقفتني بشدة ملاحظة أن الأسرة فقدت أطفالها في البحر ثم هاجرت بعيداً عن الذكريات ولكنهم سكنوا مجدداً على ضفاف النهر ، حين سألت عن ذلك والدة الشهيدات حليمة أجابت بعبارة مدهشة حقاً (نحنا ماعندنا مشكلة مع البحر) .

يا إلهي ….!!! كيف بلغت هذه السيدة مرحلة هذا التسامي و التسامح والعلو على الأحزان لتجلس على ضفاف النهر و تنظر إلى مياهه دون كدر أو ضيق، دون غضب أو حنق رغماً عن أنه من ابتلع صغيراتها الخمس دفعة واحدة.
أو كما قال الفنان المبدع محمدالنصري أتغابى ماراعى الولف صادالبنيات بي غدر….

لم يكن عم عمر بعيداً من ذلك السلام الداخلي الذي تعيشه زوجته … عم عمر لا ينفك يردد و باستمرار (الحمد لله ….الحمد لله ….نلاقيهن قدام …مشن للأفضل مننا).

كنت أفكر كلما نظرت إلى هذا الرجل كيف أن أحدنا يسوء يومه ويفسد مزاجه ولا يستطيع التركيز في عمله إن أرتفعت درجة حرارة ابنه ، فكيف بعم عمر أن يفقد خمسة من أطفاله في نفس اللحظة ويظل بكل هذه القوة ورباطة الجأش و اليقين.

خمس طفلات دفعة واحدة ريهام ١٣ سنة فاطمة ١١سنة توسل ١٠سنوات ريم ٩ سنوات جواهر ٧ سنوات، جميعهن يتبددن ويتسربن من بين يديه وتغيب معهن الضحكة و الونسة في أرجاء المنزل إحداهن تلعب وأخرى تمشط شعرها وتطلق لضفيرتها العنان وثالثة تستذكر دروسها ورابعة تقف إلى جانبه في الزريبة و الخامسة تتذوق الحساء لوالدتها لتخبرها أنه يحتاج القليل من الملح ..!!

كل هذا يتبدد وعم عمر لا تلبث كلمة الحمد لله أن تفارق فمه لحظة ويجيبنا حين نسأله عن حاله فيقول بكل هدوء ( حمداً يقسّمو منو ) ….!!!

إن أسوأ لحظات التصوير التي مررنا بها في قرية التكلة أبشر حين أتى عم. عمر بشهادات الأرقام الوطنية للصغيرات….!!! ، بدا واضحاً اهتمامه بالأوراق الثبوتيه حيث غُلفت كل شهادة على حدا بلاصق بلاستيكي لحفظها ، بيد أن الوثائق والوريقات تبقى وتفنى الأرواح.

شقيقة الصغيرات الكبرى أتعبت قلوبنا كثيراً بالبكاء أثناء التصوير، و بدا واضحاً أن ملابس شقيقاتها في خزانة الملابس وأن تم توزيعها و بقايا دفاتر المدرسة وقفص الدجاج و شجرة الليمون التي كن يرعينها.

ثم أسرّتهن في الحوش الفارغ من مرحهن و ضحكاتّهن من فوق أغطية العشم، بدا واضحاً أن الذكريات لا ترحل ولا تموت حتى و إن غير النهر مجراه .

خارج السور :

مازالت المراكب في المناصير تنقل التلاميذ والمواطنين إلى الضفة الأخرى ومازالت تفتقر إلى أبسط قواعد السلامة والأمان، ومازال الموت يتكئ على القيفة ينفث لفافة الخذلان لأهل المناصير ويدبج الخبر القادم عن غرق مركب آخر بتلاميذ المدارس، في رحلتي الشتاء والصيف.

                               
                                   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock